الشيخ حسن الجواهري
21
بحوث في الفقه المعاصر
وهذا وإن كان فهماً خاصاً له إلا أنه يكشف عن معاملة ذلك الزمان بحسب رأيه على الأقل ، كما أن الآثار المتقدمة لم نستفد منها إلا فهمهم الخاص للربا المسمى بالجاهلي . وفي هذا المعنى الذي ذهب إليه الفخر الرازي ما ذكره الجصاص في أحكام القرآن إذ قال : « والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به ، ولم يكونوا يعرفون البيع بالنقد ، وإذا كان متفاضلا من جنس واحد ، هذا كان المتعارف المشهور بينهم ولذلك قال الله تعالى : ( وَمَا آتَيْتُم مِن رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُوا عِندَ اللهِ ) ( 1 ) فأخبر أن تلك الزيادة المشروطة إنما كانت ربا في المال العين لأنه لا عوض لها من جهة المقرض » ( 2 ) . إذن لم يكن معنى الربا الجاهلي ذلك المعنى الخاص الذي ذكر له ، وإنما له معنى آخر كما تقدم ، وربما يكون معنى « الربا الجاهلي » هو المعنى العام الشامل للتأخير في مقابل الزيادة والقرض بفائدة من أوّل الأمر ، خصوصاً وأن كل أثر لا يحصر معنى « الربا الجاهلي » بما قاله ، فلا مانع من المعنى العام للربا الجاهلي . نعم إن ما جاء في أحكام القرآن هو الحصر إذ يقول « ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على الوجه الذي ذكرنا من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل مع شرط الزيادة » . ولكن نقول أن الحصر لا وجه له لما ذكر من الآثار الكثيرة التي تدل على وجود ما يسمى بالربا الجاهلي المتقدم . ثم على فرض أن يكون للربا الجاهلي ذلك المعنى الخاص الذي ذكر فقط وهو التأخير في سداد الدين في مقابل الزيادة ، إلا أن هذا المعنى لم يكن دليلا على استعمال لفظة الربا في ذلك المعنى فقط ، بل يمكن أن تكون لفظة
--> ( 1 ) الروم : 39 . ( 2 ) احكام القرآن : 1 / 563 ، دار الكتب العلمية ، بيروت .